محمد متولي الشعراوي
1912
تفسير الشعراوى
والإحساس يختلف من حاسة إلى أخرى ، فمرة يكون الإحساس بالبصر ، ومرة بالأذن ، ومرة بالشم أو باللمس أو بالذوق . والذوق هو سيد الأحاسيس ، فهو لا يضيع من أحد أبدا ، فقد نجد إنسانا أعمى ، وآخر أصم ، أو شخصا ثالثا أصيب بالشلل فلا تستطيع يده أن تلمس ، وقد يصاب واحد بزكام مستمر فلا يصبح قادرا على الشم ، أما الذوق فهو حاسة لا تختفى من أي إنسان ، ذلك أن الذوق أمر من داخل الذات ؛ لذلك فهو أبلغ في الإيلام . ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) ( سورة النحل ) انظر إلى التعبير القرآني « فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ » . جاء التعبير بالإذاقة ، وجاء بشئ لا يذاق وهو اللباس . وهل اللباس يذاق ؟ لا ، لكنه سبحانه يريد أن ينبه الإنسان إلى أن كل الحواس التي فيه تحس ، حتى تلك الحاسة المختفية داخل النفس ، إنّ ذلك يشمل كل جزء في الإنسان . فالإذاقة تحيط بالإنسان في هذا التصوير البياني القرآني الكريم : « فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ » . إذن فهي شدة وقع الإيلام ؛ واستيعاب العذاب المؤلم لكل أجزاء الجسم حتى صار الذوق في كل مكان . « ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ » ، والحريق هو النار القوية التي تحرق ومن بعد ذلك يقول الحق : ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( 182 )